| |
Magazines articles |
|
(غنّيت لبنان الشامخ، الخالد، الأبي، الجميل... لبنان الحلم
الذي لا ينتهي)
غبريال عبد النور... صوت عواصف جبران، دمعته وابتسامته |
كلود ابو شقرا:
بين مسرح سيدة البشارة الارثوذكسية في بيروت، ومتحف (جبران
خليل جبران) في بشرّي، وبدعوة من لجنة جبران الوطنية، انتشر
عبق جبراني، أريجه (دمعة وابتسامة)، نقشت على (البدائع
والطرائف) عواصف غيرت الوجود، وأعطت معنى (ساميا) للحياة.
بصوت غبريال عبد النور، الشاب العشريني، الطموح، العاشق لجبران
الى حدّ الذوبان مع أفكار هذا الفيلسوف الكبير، وهذا الشاعر
البالغ الشبابية، دخل جبران مجدداً الى العقول والى القلوب، لا
سيما عند الشباب، واذا بالحفلين الموسيقيين اللذين احياهما في
بيروت (29 تموز)، وفي بشري (30 تموز)، يعيدان الحضور الجبراني
على الارض التي احبها، وفي (لبنانه) هو كما تمنى وكما أراد.
من (دمعة وابتسامة)، و(البدائع والطرائف)، و(العواصف)، غنى
غبريال عبد النور مقاطع، هي حالات وجدانية اقتربت من سلام
الحياة وحددت (لبنان) جبران، وتساءلت حول الوجود الانساني،
وترنحت بين الأمس واليوم، متجاوزة اللوم الى (النحن) و(الانتم)،
والانتماء الى عالم خاص، مخالف ومناقض للواقع.
ساهمت الحان الفنانين: ايلي شويري، جوزف خليفه، وغبريال عبد
النور، في نقل الجمهور المستمع في الحفل، الى عالم متسام، هو
في الحقيقة عالم جبران، حيث الحقيقة فيه عارية من كل قناع، ولا
شك ان رعاية لجنة جبران الوطنية، ودعمها لهذين الحفلين، اللذين
وقع خلالهما البومه الجديد (الجبراني)، أعطت ابعاداً فنية،
وإنسانية، وجمالية، الى هذا العمل الراقي.
تربى غبريال عبد النور منذ صغره، على افكار جبران، وعلى
فلسفته، فكان المنزل الوالدي، يردد باستمرار، اغاني العمالقة
الكبار في الفن، ويصغي الى قصائد العمالقة في الشعر، فكبر
الفتى، وسط أصدقائه هؤلاء، الذين أحبهم، واخترقت اغانيهم
وقصائدهم قلبه وإحساسه، وكبر معه الحلم، بالسير على خطاهم.
بين اختصاص علم النفس، والموسيقى، وزع الشاب عبد النور
اهتماماته، فكانت أغاني بريل، وجيلبير بيكو، وإديث بياف وشارل
ازنافور... تدغدغ ميله الى الموسيقى. فانصرف الى تعلّم الغناء
الاوبرالي، وبعد إتقان اصوله، اتجه الى الغناء الشرقي، لانه
الاقرب الى روحه، والى مجتمعه، والى بيئته. واذا بجبران خليل
جبران يدخل حياته من دون استئذان، ويجعله يتحسس قيم الحياة
بشغف ممزوج بنضج فكري، لا سيما حبّ الانسان، وحبّ الارض، وحبّ
الحياة...
القيم الجبرانية
(جبران بالنسبة الي هو الوطن، هو لبنان. إن شهرته التي شملت
أنحاء العالم، أحيت هذا الوطن الصغير، وساعدته على تجاوز
نكباته على مرّ السنين، وأضفت عليه هالة قدسية، ارادها صاحب
(النبي) نابعة من هذه الارض التي يعتبرها مقدسة).
ويؤكد غبريال عبد النور، ان هدفه الاول، هو نقل القيم
الجبرانية والافكار الجبرانية الى الشباب خصوصاً، لانها قد
تحمل أجوبة، لكثير من الاسئلة التي يطرحونها، حول مفهوم الوطن،
والانسان، والوجود...
بين الغناء الاوبرالي الذي اتقنه على استاذ اميركي، والغناء
الشرقي الذي تشرف عليه الفنانة جاهده وهبه، حاول عبد النور
الاستفادة من هاتين التقنيتين، من أجل ابتكار مزيج شرقي -
أوبرالي، يتساوى في بعض الاعمال، ويتقدم الواحد على الآخر في
اعمال أخرى: (قصدت الملحن ايلي شويري، واحببت ان أغني الحانه،
لانه فنان كبير، وملحن عظيم، اضفى على الاغاني الروح الشرقية
والنغم الشرقي، الى جانب الجو الصوفي، الذي حوّل المسرح الى
احتفال طقوسي، بدا فيه لبنان شامخاً كما أراد جبران وحلم،
وتجلت الاصالة بأبهى مظاهرها).
ويؤكد عبد النور في هذا المجال أن، الاعمال المقدمة، على رغم
صعوبتها، ولا سيما في مجال استخدام صوته على مداه الواسع،
استطاعت ان تؤسس للون جديد في الغناء لا ينتمي الى أي مدرسة.
وقد استطاع الإستفادة من نقاط القوة في صوته، وتعزيز تجربته
الغنائية المنسجمة مع شخصيته، وثقافته، ومع تعطش الجمهور الى
الكلمة الحلوة، واللحن الجميل، والاداء المتقن، والصوت الذي
يلمس شغاف العواطف والاحاسيس، ولا شك ان الفنان ايلي شويري
ساهم بألحانه في تعميق تجربة عبد النور، الى جانب الفنانة
جاهده وهبه التي اشتغلت معه على مخارج الحروف وعلى الأداء
الشرقي، والفنان جوزف خليفه الذي لحن له اغنية (دعني يا لائمي)
(من دمعة وابتسامة)، توزيع الاغاني عبده منذر.
الانسان الكوني
هزت أفكار جبران خليل جبران، كيان غبريال عبد النور، كشاب،
يبحث في هذه الحياة عن موقع، وعن إنتماء، وعن مثال، أو حتى عن
بطل، يسير على خطاه، ويتقيّد به. لذلك، أحبّ افكار جبران حول
الانسان، حول السياسة، حول السلطة، حول الارض الكونية، وحول
الإنسان الكوني، الذي يعاني، ويتألم، الى أي بقعة من الارض
انتمى: (مع جبران، تخطيت الحدود الجغرافية، وشعرت بقيمة
الانسان، سواء انتمى الى بلد فقير، او معدم، أو غني... لذلك
غنيت، الى هذا الانسان الكوني، وغنيت السلام، وفي الوقت نفسه،
غنيت ثورة جبران إزاء الحقد، والقتل، والعنف، وغنيت لبنان
الشامخ، الابي، الخالد، الجميل، لبنان الفلاحين، والكرّامين،
لبنان الحلم الذي لا ينتهي).
في دبي، تحديداً في القنصلية اللبنانية، ولمناسبة أسبوع جبران،
غنى غبريال عبد النور (جبرانه) للمرة الاولى، ومنذ تلك اللحظة،
شعر أن جبران حاضر معه ولا يزال في جميع حفلاته في اليونسكو في
بيروت، وفي خارج لبنان. وهو يؤكد ان تجاوب الجمهور الكبير معه،
جعله يلمس عن حق، ان رسالة جبران الانسانية وصلت الى الناس، في
أبعادها المختلفة، وأعطتهم دفعاً جديداً، لا سيما، في أثر
الاحداث المتكررة منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري. فكانت
(البلسم)، و(الأمل)، بغد أفضل، قد يخرج يوماً ما من الحلم
ويدخل الحقيقة، قد يخرج من الاسطورة الى واقع جميل، حيث يعيش
الناس في الحب وللحب.
الحب الجبراني
تناول عبد النور (الحب الجبراني)، في خلال الحفلين اللذين
قدمهما في بيروت وفي بشري، من جوانب ثلاثة: الحب الموازي
للحنان، الحب البالغ حدود الشغف، والحب المغلف بالخيانة). في
الحالين الاولين برز الحبّ الجبراني في أعلى مرتبة من الرقي،
ومن الترفع عن الجسد، والشهوة، والجنس، في اسلوب جميل، رشيق،
بالغ الشفافية، ساهمت الحان الفنان الكبير ايلي شويري، والصدى
الاوبرالي في صوتي في إيصال الروحانية الجبرانية الى الجمهور.
أما في الحال الثالثة، أي الحب المغلف بالخيانة، فبرز فيه
اللحن الايقاعي القريب من جيل الشباب. لم نرد ان نضع جبران ضمن
إطار معين، إنما حرصنا على جعله ينطلق ويلامس كل القلوب).
ان الحال الجبرانية واللحظة الجبرانية، الممتزجتين مع أداء
متفوق، ولحن رائع، خلقا نوعاً من التسامي المتصاعد الى ما فوق
حدود الكون، ورفعا معهما الجمهور في الحفلين الى أعلى مستوى من
الاصالة، حيث الحب، والحرية، والحقيقة، والهوية، والانتماء،
والموت، والحياة... تتشح بغلالة من الإيمان تتزين بالنجوم،
وتحمي بشفافيتها هذا الكائن الذي يدعى الإنسان.
* * *
لا ينوي غبريال عبد النور الابتعاد عن جبران لحظة واحدة، بل
يستعد حالياً للتحضير لالبوم جديد، يتضمن بين اغانيه المنوعة،
باللهجة اللبنانية، مقاطع من جبران: (سأظل أغني هذا النابغة
حتى اكتشفه بكليته، واغوص اكثر الى عمق روحانية. وقد أغنيه كل
عمري، من دون أن أتوصل الى سبر كل مكنونات فلسفته). |
|
|
|